
غالبية الأشجار تنمو عموديًا، لكن هناك أشجار تنمو أفقيًا، ولو كنتُ أنا شجرة، لكنتُ من النوع الثاني؛ أمتد وأتشعب في المنخفضات والأماكن المنزوية البعيدة، لا لأنني أخاف الارتفاع، ولا حبًّا بالأرض، بل لأن سقفًا، أو بالأحرى سقوفًا وجدران فُرضت عليَّ وحاصرتني من كل اتجاه، فتمددت فوق الأرض المنخفضة المعتمة.
أنا من الجيل الذي حُفّظ عن ظهر قلب “لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا”، “وإننا النساء أكثر أهل النار” فنشأتُ مليئة بالشعور بالذنب تجاه ذنوب لم أرتكبها، وأنوثة لم أخترها. ثم تبعه الخوف، فلا أشبّهه بظلّي الذي قد يختفي عندما يتعامد ضوء الشمس على الأرض، بل كان مثل لون جلدي؛ يسكن معي ليلًا ونهارًا. ففي الحياة أنا تحت عين الرقيب العتيد، وفي موتي تنتظرني ضمّة القبر والشجاع الأقرع.
تخرجتُ من الثانوية، ثم التحقتُ بجامعة قطر، ودرستُ البكالوريوس في الكيمياء البحتة، وأيضاً ليس لأنني أحبها، بل لأن الهندسة، وهي خياري العقلاني، لم يكن متاحاً، ولأن علم النفس والأدب، وهما الخياران الأقربان إلى قلبي، كانا يعنيان البطالة.
تسلّمتُ وظيفة حكومية في مختبر أحد المستشفيات، وكانت الوظيفة الحكومية في ذلك الوقت، كما يقول عمرو دياب في أغنيته:
“عارف إنت الحظ؟ أهو إنت الحظ”..
تلك الوظيفة لم تكن تشبهني، ولم أكن أشبهها. كنتُ فيها كرجل طويل عريض، صارم الملامح، يرتدي فستان زفاف ورديًّا.
بقيتُ سنوات طويلة وأنا غير راضية تمامًا عن عملي الذي يقضم نصف يومي، وغير قادرة على الانتقال إلى وظيفة في القطاع الخاص، فسقف الخوف كان أعلى من سماء المغامرة. فضلًا عن أن القطاع الخاص كان، في الحقيقة، خاصًّا بالرجال، وحصتنا فيه نحن النساء كانت صغيرة، وغالبًا ما تذهب إلى صاحبات الحظوة.
في تلك السنوات، حصلتُ على درجة الماجستير الأولى، وكانت في إدارة القطاعات الصحية من جامعة سوانزي في ويلز. دفعتُ تكاليفها من راتبي المتواضع، وبقيتُ حينها سنتين أتسلّم نصف راتب، الذي لم يكن يتجاوز خمسة آلاف ريال. وبالمناسبة، كانت تكاليف جميع شهاداتي، بدءًا من البكالوريوس وحتى الدكتوراه، من مالي الخاص أو من مال أسرتي؛ لأن سقوف حياتي المنخفضة لم تسمح لي بالاستمتاع بما يُسمّى بالمنح الدراسية، التي كانت تتساقط على من حولي كالمطر.
دخلتُ عالم الكتابة بصورة رسمية في جريدة «الوطن»، في صفحة كتّاب الرأي، وكان الدكتور عثمان الصيني هو من أتاح لي هذه الفرصة. أتصور أنه لا يذكرني، لكنني لا أنسى فضله. وبعد عدة سنوات، أصدرتُ كتابَ «مذكرات موظفة سعودية»، الذي دونت فيه قصص من زاويتي الخاصة في تلك المرحلة. وهذا الكتاب بالنسبة إليَّ كأبني البكر؛ تعلّمتُ الكتابة من خلاله، والأهم أنني أحبّه بكل مشكلاته التي صنعتها بنفسي.
ثم تغيّر الحال، وبدأنا، نحن النساء، نلتقط أنفاسنا. فتركتُ الوظيفة الحكومية وانتقلتُ إلى وظيفة أخرى في القطاع الخاص، حيث كنتُ أبدأ يومي في السادسة صباحًا، ولا أعود إلى منزلي إلا بعد غروب الشمس. وخلال سنوات عملي في القطاع الخاص، حصلتُ على درجة الماجستير الثانية في التخصص الأحب إلى قلبي، وهو الاستشارات النفسية، بتخصصٍ دقيقٍ في الصدمات والأزمات. في تلك السنوات، توقفتُ تمامًا عن الكتابة، وعرفتُ إجابة سؤال مهم: لماذا كان معظم كتّاب العالم العربي، إن لم يكن جميعهم، يعملون في وظائف حكومية، ولا يشغلون مناصب مدراء تنفيذيين أو مهندسي مشاريع؟ لأن رحى القطاع الخاص الرأسمالي تطحن الإنسان، فلا تُبقي فيه رمقًا، والكتابة كائن رقيق لا يزدهر وسط ذلك الكفاح.
توقفتُ عن اقتناء الكتب وقراءتها وعن الكتابة أيضًا، متعمدة، لأنني مخطئة تصورت أن القراءة نشاط انقراضي، هو لا يتجاوز نقل المعرفة من المكتبة إلى الرأس، ثم سأذهبُ أنا ورأسي تحت الأرض، وتنتهي القصة بالعدم؛ ولا شيء يستطيع المثقف فعله، ثم عدت بعد ١٤ سنة بعدد من المقالات واصدارين من الكتب، رواية الهيدرا، واحباب شفيقة.
حصلت على الدكتوراة في سيكولوجية المجتمع. في المحصلة اضافت لي هذه العلوم عمقاً في فهم النفس البشرية، فلم أعد قادرة على البقاء على سطح العلاقات والأفكار، ولم أعد أرى الناس كما يظهرون للعين، بل صرتُ أراهم بأبعاد كثيرة؛ تاريخهم ودوافعهم والجوانب الخفية من شخصياتهم،وهذا الأمر ترك آثارًا في حياتي، وفي قدرتي على الكتابة، وهو في المجمل، هو أمر له ما له وعليه ما عليه.
والان قررت أن أنصب في غابة الانترنت، خيمة صغيرة أسميها مدونتي فمرحباً بك عابرا أو مقيم.
فاطمة الفقيه
كاتبة ومعالجة نفسية، شغفي بالكتابة قديم.
صدر لي كتاب «مذكرات موظفة سعودية»،ثم «أحباب شفيقة» و«الهيدرا» والعديد من المقالات. أنشأت هذه المدونة لأجمع فيها شتات كتاباتي وأفكاري، وأجعلها متاحة لي أولًا، ثم لمن يرغب في قراءتها.
أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ